القاضي عبد الجبار الهمذاني

410

المغني في أبواب التوحيد والعدل

القبيح أو أخل بالواجب . وقد علمنا أن الحال بخلافه في كثير من المكلفين منا وفي الأطفال والبهائم . وليس لهم أن يقولوا إن المكلف بنزول الألم به يستدل على تقدّم معاصيه فتلزمه التوبة لأن ذلك إنما كان يجب لو لم يحسن الألم إلا لهذا الوجه الواحد ، وقد بينا حسنه للنفع ، فكيف يعلم بنزوله به أنه واقع القبيح ؟ فإن قال : إنه وإن لم يعلم ذلك فإنه يجوزه فتلزمه التوبة . قيل له : قد لا يخطر بباله ما ذكرته بأن يعتقد أنه لم يكلف إلا من حين بلوغه الّذي يتذكره ، فكيف تجب عليه التوبة من معصية وقد تقدّمت في حال لا تخطر بباله ولا يعتقد أنه كان مكلفا فيها ؟ وليس لأحد أن يقول إن التوبة قد لا تجب عليه كما لا تجب على من زال عقله ؛ وذلك لأن مع ثبات التكليف لا يجوز أن يلزمه التوبة ولا يجعل له طريقا إلى معرفة وجوبها عليه ؛ لأنه يؤدّى إلى أنه لا ينتفع بما كلف ولا يمكنه الوصول إلى ما عرض له من الثواب ، وذلك يوجب قبح إدامة التكليف . فلذلك يلزم في العقلاء أن يعرفوا حالهم في / وجوب التوبة عليهم وإن لم يجب ذلك فيمن زال التكليف عنه بجنون أو غيره . فإن قال : إن التوبة عندي لا تزيل العقاب ، فلا يجب ما ذكرتم . قيل له : قد بينت بالدليل أنها تسقط العقاب كإسقاط الاعتذار الذمّ الّذي يستحقه من أساء إليه ولأنه نهاية ما يمكن في بذل المجهود . فلا يجوز أن يسقط العقاب الّذي يستحقه على من تاب منه . وإذا صح ذلك ، فواجب أن يعرف جميع العقلاء ما كان منهم من المعاصي التي استحقوا بها هذه الآلام ليعلموا وجوب التوبة وتصح منهم . وفقد ذلك يبين سقوط هذا القول ، ومما يدل على ما قلناه أن هذه الآلام لو كانت عقوبة على جرم قد تقدّم ، لوجب أن يكون العقلاء منا الذين عرفوا